شتورة ـ أحمد كموني
تباينت الآراء في شأن نتائج عملية تنظيف مجرى
نهر الليطاني وروافده، وتعزيلها. البعض اعتبر ان ما تم، كاف
لتفادي تكرار كارثة الفيضانات التي وقعت الشتاء الماضي، وأدت
إلى ما أدت إليه من أضرار مادية. والبعض الآخر اعتبرها
"فولكلورية" لأننا لم نستأصل الداء المتمثل في الجسور المنخفضة
والعبّارات الضيقة، وهي كثيرة، وتمنع جريان المياه في الأنهر
وبين هذا وذاك، رأي يؤكد ان الحل الجذري يقوم على تقويم مجرى
النهر وتوسيعه من منبعه إلى مصبه". ودون ذلك تبقى كل الحلول
مجتزأة ومكلفة مادياً ومعنوياً.
وبعيداً من صحة الآراء المذكورة، ومع التأكيد أن أصحابها
يطمحون إلى وضع حلول تنهي مشكلة مزمنة، فان الحقيقة التي
أظهرتها جولة ميدانية شملت مجرى نهر الليطاني من سرعين مروراً
بالدلهمية ـ المرج ـ حوش الحريمة ـ المنصورة ـ جب جنين، وصولاً
إلى نقطة التقاء النهر مع حوض بحيرة القرعون، تدل على تنفيذ
أعمال وتعزيل أتربة وأوساخ وأعشاب، وتوسيع في بعض المواقع. كما
تدل على واقع جديد يختلف عما كان عليه مجرى النهر العام
الفائت.
ولعل أبرز المناطق التي يمكن القول إنها مؤهلة لمواجهة موسم
الأمطار والسيول، تمتد من جسر المرج وتتجه جنوباً نحو جسر
حمدانية، وجسر علي سعيد وصولاً إلى جسري المنصورة، وجب جنين في
البقاع الغربي، وهذا القسم (المرج ـ جب جنين) يستوعب إلى مياه
المجرى الرئيسي، روافد أنهر قب الياس (السبحية والشتوي وجعيد
والحضير والرياشي)، اضافة إلى عدد كبير من المجاري. يضاف إلى
هذه الروافد ، قسم من نهر الغزيل الممتد من الروضة مروراً بحوش
الحريمة.
ففي تلك المواقع بلغ عرض المجرى نحو 25 متراً، خصوصاً المواقع
التي كانت سبباً لتشكل المستنقعات والفيضانات، كما هو الحال في
المرج وحوش الحريمة وغزة والمنصورة.
هذا ما بينته المشاهدة المباشرة وعكسته آراء وأحاديث عشرات
المواطنين والمعنيين في المجالس البلدية في البقاع الغربي.
ورغم هذه الآراء الايجابية، فانهم أجمعوا على الآتي: "ان عملية
التنظيف، حاجة طارئة فرضتها ظروف الفيضانات العام الماضي. وهي
تمت في منطقة البقاع الغربي، وفق المطلوب. إلا أن العملية تبقى
ناقصة من دون تنفيذ حل جذري ونهائي".
فما هو الحل الجذري؟ يقول رئيس اتحاد بلديات البحيرة رئيس
بلدية جب جنين، خالد شرانق "الحل الجذري يكمن في وضع مخطط
توجيهي كامل وشامل لكافة مجاري الأنهر في البقاع. مخطط يأخذ في
الاعتباركيفية الاستفادة من كمية المتساقطات التي تدخل هذه
المجاري، وتحول دون تكرار كارثة العام الماضي. وهذا يتحقق
انطلاقاً من مسلمة علمية وأساسية. ترتكز أولاً على تقويم مجرى
الليطاني وتوسيعه من دون هذا الحل، فان الفيضانات قد تتكرر مع
أي سنة مطيرة قوية، لأن المجرى الحالي فيه الكثير من المنعطفات
الحادة أو الضيقة سواء بالنسبة إلى الليطاني أو روافده.
أضاف شرانق، لا بد كذلك من إزالة التعديات كافة، اسمنتية أو
تلك التي تسببها مجاري الصرف الصحي أو مكبات النفايات الصلبة،
أو الرمول والأتربة التي تجرفها السيول من المرتفعات ولكن هذا
الحل ليس في متناول اليد الآن، يقول شرانق، وإلى ذلك الوقت ،
فان ما تم على أهميته لا يجنبنا ما نخشاه من سيول وفيضانات،
والسبب ان المشكلة لا تزال قائمة في منطقة البقاع الأوسط.".
وهذا ما أكده ايضاَ نائب رئيس المجلس البلدي في المرج، أكرم
السيد، الذي كان يتابع تنظيف وتوسيع مجرى الليطاني، ضمن النطاق
العقاري لبلدته.
فما هو وضع المجرى في الأوسط؟
في الامكان التأكيد انها المنطقة، وتحديداً الدلهمية، التي أدى
سوء واقع المجرى والروافد فيها الى تشكل المستنقعات ولاحقاً
السيول التي تدفقت في كل الاتجاهات. هذا ما كان العام الماضي،
والذي قد يتكرر في الشتاء الحالي، وذلك بسبب بقاء أجزاء طويلة
وأساسية من مجرى الليطاني، ومنطقة نبعي الغزيل وشمسين من دون
اجراءات جذرية وعملانية.
"الأزمة ستظهر لاحقاً" يقول محمد معدراني (الدلهمية) فـ"عنق
الزجاجة على حاله، لأن الفرق الفنية أهملت معالجة الوضع عند
نقطة جسر الدلهمية، وأهملت تنظيف وتوسيع مسافات طويلة من مجرى
النهر الذي يخترق أهم منطقة زراعية في البقاع الأوسط".
وموضوع جسر الدلهمية آثاره وزير الأشغال العامة نجيب ميقاتي،
عندما تفقد المنطقة نهاية الشهر الماضي، وعبر عن انزعاجه لبقاء
كتل خرسانية في قعر النهر يفصلها عن سقف الجسر متر ونصف المتر
تقريباً، ما يعني أن المياه ستغمر الجسر وتقطع الطريق الذي
يربط الدلهمية بمدينة زحلة عند أول زخة مطر. ولا نشك أن دائرة
الفيضانات ستتوسع بعد ذلك.
فلماذا بقيت خرسانات الباطون في قلب المجرى تحت الجسر؟ ولماذا
لم يستبدل الجسر بآخر مناسب؟ (وهذه حال نحو عشرة جسور فوق
مجاري الأنهر).
ولماذا لم يؤخذ بتوصيات الفرق الفنية التي أجرت كشفاَ على هذا
الموقع والمواقع المماثلة خلال الفيضانات وبعدها؟
هذه الأسئلة أجاب عنها رئيس الهيئة العليا للاغاثة اللواء يحيى
رعد في اتصال هاتفي لـ"المستقبل" فقد أكد "ان الفرق الفنية
المكلفة من الهيئة القيام بأعمال تنظيف نهر الليطاني، وروافده
قامت بمهمتها على أكمل وجه، وفي الأماكن التي حددتها وزارة
الطاقة. والهيئة لفتت نظر الوزارات المختصة ومنها وزارة الطاقة
في تموز الماضي، إلى مشكلة الجسور التي تضعف جريان المياه أو
المنخفضة منها. وحددت جسر الدلهيمة والخرسانات المسلحة التي
تسد جزءاً من مجرى النهر. وأوصت بضرورة ازالتها، وإزالة الجسر
وتوسيع المجرى في تلك المنطقة وانشاء جسر عال لإنهاء المشكلة.
واضاف "ان معالجة هذا الوضع والأوضاع المشابهة من مسؤولية
وزارة الطاقة لأن مهمتنا تنحصر في تنظيف وتعزيل مجاري الأنهر
فقط، وليس حل مشكلة الجسور ونحن لا نتعدى على صلاحيات أي من
الوزارات ولا نحمّل المسؤولية لأحد".
ورداً على سؤال قال "تنظيف الأنهر عملية دائمة ومتواصلة ويجب
تعاون الجميع لإنجاحها، لأن لا معنى لها اذا تواصل رمي
النفايات الصلبة، أو تدفق مجاري الصرف الصحي وغيرها. على
الجميع أن يسهم في متابعة هذه العملية مع العلم أن عملية ازالة
التعديات عن مجاري الأنهر متواصلة ولم تنته بعد".
عملية التنظيف
يبلغ طول المجاري التي انجزت فيها اعمال تنظيف وتعزيل متفرقة
في البقاع نحو 10 كيلومترات. وهذه العملية شملت الليطاني
والغزيل والروافد التي تغذيهما، وتضمنت الآتي: "ازالة العوائق
من داخل الأنهر والروافد من شجر وأوساخ وعوائق مادية، استثنيت
من ذلك العبارات والجسور والتي كانت السبب الأساسي في حدوث
فيضانات.
ويعتقد أحد المهندسين الذين اشرفوا على سير العمل الذي انتهى
في منتصف تشرين الأول الماضي، "ان المشكلة قائمة لأن العبارات
والجسور على حالها ولم تعالج". متسائلاً عن الفائدة من توسيع
النهر، كما حصل في بعض المواقع، في الوقت الذي لا تزال الجسور
وفتحات العبارات على حالها السابق.
ويعرض سلسلة طويلة من العوائق اعترضت عمل الفرق الفنية وحالت
دون اتمام عمل نموذجي في بعض المواقع، منها "وجود اراضٍ زراعية
محاذية لأرض النهر، عدم توفر مكبات للاتربة والأوساخ، فكانت
ضفتا النهر مستقرها. وهناك كذلك خروج مسار النهر عن مجراه
الطبيعي، ما وضع الفرق امام مشاكل مع أصحاب العقارات، استمرار
تدفق جريان المياه، ما حال دون الوصول الى وسط المجرى، ما يعني
الحاجة إلى معدات خاصة لم توافق الإدارات المعنية على
استئجارها، وجود مواد حمضية ناتجة من المياه المبتذلة، الأمر
الذي كان يؤدي إلى سرعة نمو الاعشاب داخل المجرى".
ويختم "الحل يبقى ناقصاً من دون عملية تقويم، وبناء جسور
وعبارات مناسبة قادرة على استيعاب كل كميات المياه المتساقطة
في فصل الشتاء".
أخيراً، "تمت ولم تتم" كلام يختصر الواقع الراهن لعملية تنظيف
مجرى الليطاني وروافده. تمت في أجزاء، ولم تستكمل في أخرى. وفي
الحالتين، المشكلة قائمة ونتائجنا المتوقعة لن تكون بأقل من
الذي شهدناه العام الماضي من فيضانات وسيول وأضرار، إلا في
حالة واحدة "انحباس المطر" وهذا ما لا يتمناه أحد.