البقاع ـ أحمد كموني
رغم اقتراب فصل الشتاء وما يمكن أن يحمله من
أمطار وسيول، عادة ما كانت تتسبب بحدوث فيضانات تأتي على
المزروعات وتجتاح في بعض المواقع أبنية سكنية ومؤسسات تجارية،
ورغم أمطار أنذرت قبل يومين لم تنفذ حتى الآن أي عملية تنظيف
على مجرى الليطاني وروافده في البقاع في وقت لا تزال فيه
المكبات منتشرة بشكل عشوائي على المجاري، التي تم توسيعها
لكنها لا تزال عرضة لحدوث الفيضان.
ويأتي طرح هذه المشكلة على أبواب الشتاء نتيجة انقضاء نحو ثلاث
سنوات على آخر عملية تنظيف وتعزيل لمجاري الأنهر سيما نهر
الليطاني، ونتيجة استمرار التعديات على حرم الأنهر وهي كثيرة
أبرزها، ان لم نقل أخطرها "كوكبة" مكبات النفايات المنتشرة على
ضفاف هذه الأنهر من منابعها الى مصبها، إضافة الى التعديات
التقليدية من أبنية مخالفة الى مضخات شفط المياه من داخل
المجرى من دون أن ننسى عاملاً جديداً لا يقل خطورة تمثل
بالدمار والأتربة والردميات التي حلت بالعديد من المفاصل
الأساسية الواقعة فوق مجاري الأنهر البقاعية بسبب الاعتداءات
الاسرائيلية خاصة تلك التي استهدفت الجسور.
ولكن، هل هذه العوامل وحدها يمكن أن تكون مسؤولة عن وقوع
فيضانات محتملة؟ يشير أحد الناشطين البيئيين في البقاع الى
عوامل أخرى لا تقل أهمية عما سبق تتمثل بانتشار غابات القصب
داخل مجرى النهر وفي موازاتها سواتر ترابية في غير موقع بهدف
شفط ما تبقى من مياه لري الأراضي الزراعية المجاورة. ويلفت الى
أن هذين العاملين يساهمان في إعاقة تدفق المياه.
هذه العوامل التي يمكن أن تتسبب في حدوث فيضانات عند هطل مطر
غزير، وبقاؤها من دون معالجة جذرية يطرح غير سؤال عن دور
الادارات المعنية وكذلك المجالس البلدية في المنطقة في إزالة
العوامل المذكورة، كما يطرح سؤالاً عن حقيقة خطورة الواقع
الراهن، في ضوء عمليات توسيع مجاري الأنهر التي نفذت منذ
سنوات.
وتتقاطع حول هذه المواضيع آراء العديد من رؤساء البلديات لجهة
ضرورة العمل على إزالة كافة المسببات، وإجراء تنظيف دوري يحافظ
على هذا الشريان الحيوي المتعلق بالثروة المائية، حرصاً على
سلامة البيئة ومنعاً لري الأراضي الزراعية بالمياه الملوثة
وبطبيعة الحال منعاً لتكرار الفيضانات.
ولعل بلدة المرج من أكثر البلدات المتضررة من الفيضانات
السابقة، والمرشحة لأن تعيش التجربة مرة أخرى إذا ما كانت
السنة المطرية استثنائية، وبالامكان أخذ واقع البلدة كنموذج
ينسحب على كافة البلدات التي عاشت هذه المشكلة وهي بر الياس،
حوش الحريمة، غزة، تعنايل، الدلهمية وغيرها.
يقول رئيس بلدية المرج كمال حرب إن الموقع الجغرافي للبلدة
أسهم في وقوع كوارث أصابت الأراضي الزراعية والأبنية نتيجة
الفيضانات إذ أن ضيق المجرى (سابقاً) وانحباس المياه في منطقة
تل الأخضر أسهما في تشكل مستنقعات ضخمة خلال فصل الأمطار، وهذه
المشكلة عولجت بشكل جزئي بعد الفيضان الأخير، إلا أننا وتحسباً
للأسوأ، بادرنا كبلدية الى إجراء عملية تنظيف وتوسعة إضافية
لمجرى نهر الليطاني من المنطقة الممتدة من طريق تعنايل بر
الياس حتى نقطة التقاء مجاري كافة الأنهر الفرعية بمجرى نهر
الليطاني، وهذه العملية تمت بعدما أخذنا موافقة الادارات
المعنية، وقد رفعنا كتاباً رسمياً بما تم وبتكلفته البالغة نحو
90 مليون ليرة لبنانية، وحتى الآن لم نتسلم هذا المبلغ مع
العلم أن أصحاب الحقوق يطالبون بحقوقهم.
وعن تأثير الحفريات والردميات الجارية في محيط جسر تعنايل
المرج الذي دمره القصف الاسرائيلي يقول حرب: بكل تأكيد له
تأثير مباشر على انسياب المياه ولكننا وعدنا بأن العمل سينتهي
قبل حلول الشتاء. ويضيف: الى عملية التنظيف المنفذة، فإن مصلحة
الليطاني أسهمت في انشاء جدران دعم على ضفتي النهر وبالتحديد
تحت العبارات أو الجسور الصغيرة وذلك بالاتفاق مع شركة أجنبية
متخصصة.
ويأمل حرب في أن تسهم الاجراءات المتخذة في منع تجدد
الفيضانات، متمنياً لو أن الوزارات المختصة تبادر الى عملية
تنظيف وتعزيل دورية لمجاري الأنهر البقاعية خاصة في المقاطع
التي تمر وسط أو في محيط البلدات البقاعية.
مؤسسة الرائد التي نفذت عملية توسعة وتنظيف مجرى الليطاني
والأنهر الرافدة له أكدت أن المشكلة الأساسية التي كانت تتسبب
بتشكل مستنقعات ومن ثم فيضانات حلت. ويوضح المهندس رائد
النخلاوي الذي أشرف على هذه العملية عندما نفذت منذ ثلاث
سنوات، ان المقطع، المشكلة، كان سهل تل الأخضر حيث كان عرض
المجرى لا يتجاوز أربعة أمتار، وقد عملنا على توسعته الى (45
متراً)، الأمر الذي حال دون احتباس المياه وسهّل جريانها
باتجاه حوض بحيرة القرعون، أضاف: كما أن عملية التنظيف
والتوسعة حينها شملت المنطقة الممتدة من المرج مروراً بحوش
الحريمة وصولاً الى غزة والمنصورة أي المنطقة التي كانت عرضة
للفيضانات.
ورداً على سؤال يرى النخلاوي ضرورة أن تتم هذه العملية بشكل
دوري وفي هذه الحالة تكون كلفتها أقل كما أنها تمنع تفاقم
مشكلة رمي النفايات في مجاري الأنهر وتدفقها نحو حوض البحيرة.
ويجمع المعنيون في المنطقة بأن الاجراءات السابقة تخفف من
احتمال فيضان جديد لكنها لا تلغيه، فيما يشير عدد منهم الى
خطورة إهمال الرعاية الدائمة لهذا الشريان، وعدم إيجاد الحلول
الجذرية خاصة لعشرات مكبات النفايات الممتدة على طول مجاري
الأنهر، إذ يندر وبحسب هؤلاءوبحسب الواقع أيضاً أن تجد مقطعاً
أو منطقة يمر بقربها الليطاني من دون هذه الآفة التي تدفع
الأمطار والسيول بمكنوناتها الى داخل المجرى الأمر الذي يضاعف
من التلوث أولاً ومن إضافة معوقات تعرقل انسياب المياه، فضلاً
عن وجود العديد من الأبنية، وغرف مولدات الآبار الارتوازية ضمن
أو قرب حرم الأنهر ما يستدعي اجراءات مناسبة تتكامل مع ما يجب
فعله بالنسبة للعقبات الأخرى.